عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

490

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : أنه - تعالى - لما أعلم إبراهيم - عليه السلام - أن في ذريته من يكون ظالما عاصيا ، لا جرم سأل هاهنا أن يجعل بعض ذرّيته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة للتوبة فقال : « وَتُبْ عَلَيْنا » أي على المذنبين من ذرّيتنا ، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده ، فاعتذر الوالد عنه ، فقد يقول : أجرمت وعصيت فاقبل عذري ، ويكون مراده : أن ولدي أذنب فاقبل عذره ؛ لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه ، والذي يقوي هذا التأويل وجوه : الأول : ما حكى اللّه - تعالى - في سورة « إبراهيم » أنه قال : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 35 - 36 ] . فيحتمل أن يكون المعنى : ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من ذنوبه . الثاني : ذكر أن في قراءة عبد اللّه : « وأرهم مناسكهم وتب عليهم » . الثالث : أنه قال عطفا على هذا : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ البقرة : 129 ] . الرابع : تأولوا قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] بجعل خلقه إياه خلقه لهم إذ كانوا فيه ، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله : « أَرِنا مَناسِكَنا » أي « ذرّيتنا » . قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : أجاب بعضهم عن هذا الإشكال فقال : إنهما لما قالا « وَتُبْ عَلَيْنا » وهم أنبياء معصومون إنما طلبا التثبيت والدوام ؛ لأنهما كان لهما ذنب . قال القرطبي : وهذا حسن ، وأحسن منه أن يقال : إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أراد أن يبيّنا للناس ، ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصّل من الذنوب وطلب التوبة . فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأفعال للّه تعالى دلّت الآية الكريمة على أن فعل العبد خلق للّه - تعالى - لأنه عليه الصلاة والسلام طلب من اللّه - تعالى - أن يتوب عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد ، لكان طلبها من اللّه - تعالى - [ محالا وجهلا . قالت المعتزلة : هذا معارض بما أن اللّه - تعالى - ] « 1 » طلب التوبة منا . [ فقال ] « 2 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يا أَيُّهَا . . تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] ولو كانت فعلا للّه تعالى ، لكان طلبها من العبد محالا وجهلا ، وإذا ثبت ذلك حمل قوله : « وَتُبْ

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : قالت المعتزلة : وقد قال الله .